أرشيف الأوسمة: التدوين

النهايات

لا أتذكر كيف، ولا متى، لكنني اكتشفت منذ صباي أن لديّ تعلقاً غريباً بما انتهى زمانه وبقيت آثاره. مثلاً، أحبّ منظر المصايف في الخريف، أي الفنادق المقفرة بعد صيف مزدحم، بقايا المظلات، أكشاك بيع المثلجات والمرطبات المغلقة في الشواطئ الرمادية..

في جنوب سانتياغو هناك حديقة أقيمت على ضفة نهر صغير يقطع سانتياغو، واسمه “ساريلا”. هذا النهر هو عبارة عن رافد لنهر أكبر اسمه “سار”. تمرّ هذه الحديقة بآثار مطاحن من القرن التاسع عشر، انمحى منها كل ما هو خشبي وبقيت الجدران الحجريّة فقط. هذه المطاحن هي إحدى زواياي المفضلة في المدينة.

ليست الفكرة في الإعجاب بالتحف أو الآثار، أو ببساطة ما هو قديم. الأمر غير متعلّق بنوستالجيا ماضويّة على الإطلاق، بل في آثار الماضي على الحاضر، آثار لم يعد لها معنى أو فائدة. كانت هنا، وبقيت هنا، لكن بدون مغزى. هي هنا لأن أحداً لم يهتم بألا تكون. لا أدري كذلك إن كان لذلك علاقة مع كوني شخص مدقع الفشل في التعامل مع نهايات الأشياء. هذه الـ”نقطة انتهى”، الضرورية للغاية من أجل تأسيس البدايات، ليست اختصاصي على الإطلاق، بل أن هذه النقاط هي كجمرٍ أتهرّب من الإمساك به. تنطبق هذه المعضلة حتى على المسلسلات والروايات، ثمة كآبة سمجة تطلّ برأسها في الصفحات الأخيرة، أو بعد انتصاف الموسم الأخير من المسلسل. حين أشاهد مسلسلاً للمرة الثانية، أو أعيد قراءة رواية أحبّها، ليس من الغريب أن أترك النهاية دون مشاهدة أو قراءة. أعرف ما حدث لأنني قرأته أو شاهدته في المرّة الأولى (رغماً عني)، لكن النهايات المفتوحة، التي ليست نهايات، مريحة أكثر، أو هكذا أقنع نفسي.

هنا، من البديهي القول أنني أعاني أيضاً كآبة مساء الأحد الشهيرة. ليس من المعتاد أن تكون عطل نهاية الأسبوع مميزة جداً عندي، بل ليس من المعتاد أن تكون “عُطلاً” أصلاً. لكن مع ذلك، نهايتها كشبك العنكبوت.

من هذا الباب، ربما، كانت (نهاية) علاقتي مع التدوين ملتبسة. بدأت أبتعد عنه في 2011، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أكثر ملاءمة لآنية الأخبار وسرعتها؛ وأيضاً لأنني بدأت أكتب في صحف ومواقع الكترونية، ثم في الجمهوريّة. لكن مع ذلك، بقيت مدونتي مفتوحة، أشعر بالذنب تجاهها بين الحين والآخر فأكتب لها تدوينات متباعدة، أو أضع فيها المحتوى المنشور سابقاً في مواقع أخرى فقط لكي أشعر أنني لم أزرها خالي اليدين. كانت مدونتي السابقة أرشيف نموّي وتطوري وخراقاتي خلال ما يقارب العقد. لا شيء فيها أتبرأ منه، لكن فيها الكثير مما يستحيل أن أقرأه اليوم دون أن أشعر بالكثير من الخجل من سطحيته أو قلة إحاطته.

لكن هناك ما أحنّ إليه من زمن التدوين: الجرأة. لم أكن أخاف الخطأ أو “التخبيص”. العمر؛ قلة الاكتراث للمسؤولية تجاه المنبر؛ الإحساس بأن “جمهورك” أصغر من جمهور المنابر الأعم، وأقل انفعالاً (وتحطيماً) من “أصدقاء” وسائل التواصل الاجتماعي؛ فداحة ما يحيط بك، ويجعلك تقنع نفسك أن أقل ما يمكن أن تفعله لضحاياه هو ألا تكون “تافهاً”.

ولأن مدونتي السابقة هي “تاريخ” بالنسبة لي، فقد كان وجودها ثقيلاً بعض الشيء، لذلك أغلقتها صيف العام الماضي. لم يُحذف محتواها، لكنه لم يعد عامّاً. كنت كذلك أقنع نفسي بضرورة وضع نقطة نهاية لمرحلة التدوين، تكريماً لها كمرحلة تأسيسية من حياتي، وأيضاً كمساعدة لإعادة تعريف نفسي خارجها.

مجموع هذه الأمور عبارة عن قيود، عن عدد هائل من المسودّات غير المكتملة، التي لا تحظى باهتمام (وجرأة أحياناً) لإكمالها؛ ولا تحصل على موت كريم في سلة مهملات الكمبيوتر. فقط تبقى عالقة على سطح المكتب، أو داخل ملف اسمه “مسودات”.

التعامل مع النهايات، مجدداً..

هذه المدونة فُتحت والتدوين يشبه تلك المطاحن على ضفة نهر ساريلا. يُعلن ويُعاد إعلان موت التدوين منذ 2009، أي منذ تضاعف انتشار فيسبوك وتويتر. لكن المدونات موجودة، وإن خامدة. بين الحين والآخر يظهر نص هنا، مدونة جديدة هناك، مدوّن ما يشعر بالذنب تجاه مدونته.. الخ

لا يجيد التدوين التعاطي مع النهايات، نشبه بعضنا.

القصد من هذه المدوّنة هو أن تكون، إلى حدّ ما، كشاطئ الاصطياف في الخريف، ما يوفّر بعض الإحساس بالأمان من مسؤولية المنبر الكبير، أو آنية الصراع الفيسبوكي المنغلق. ابتعاد دون عزلة. هذا هو القصد المفترض، لكن لا شك أن هناك قدراً كبيراً من العجز عن التعامل مع أن هناك نقطة نهاية لمسيرتي كمدوّن.

هذا لا يعني أن هذه المدونة ستستمر وينتظم نشرها، أو ستتوقف وتُغلق تماماً. لا أدري في الحقيقة. هي مجرد مكان دون إحساس بالكثير من المسؤولية تجاهه. مكان لا “ينق” عليك مطالباً بنهايته..