أرشيف الأوسمة: إدواردو غاليانو

“اكتشاف” أميركا والتاريخ الرسمي

في الثاني عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، “يحتفل” العالم الناطق بالاسبانية بذكرى “اكتشاف” أميركا على يد كريستوف كولومبوس. النص المُترجم أدناه لإدواردو غاليانو، الكاتب والصحفي الأوروغواياني الشهير، والذي توفي قبل عامين ونصف. لغاليانو كتاب شهير بعنوان عروق أميركا اللاتينية المفتوحة (1971) يُراجع فيه تاريخ أميركا اللاتينية منذ بداية الاستعمار الأوروبي وحتى الزمن المُعاصر. للكاتب عدّة نصوص ساخرة دارجة عن “اكتشاف” أميركا وعن “التاريخ الرسمي” الذي كتبه المنتصرون، منها ما هو مُقتطف من الكتاب المذكور، وأخرى، مثل هذا النص، نُشرت في منابر صحفية متعددة.

 

هل اكتشف كريستوف كولومبوس أميركا عام 1492؟ أم اكتشفها الفايكينغ قبله؟ وقبل الفايكينغ، ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ ألم يكن لهم وجود؟

يقول التاريخ الرسمي أن باسكو نونيث دي بالبوا كان أول إنسان رأى المحيطين معاً من على قمة جبلٍ في بنما. ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ أكانوا عمياناً؟

مَن وضع الأسماء الأولى للذُرة والبطاطا والبندورة والشوكولا؟ مَن سمّى جبال وأنهار أميركا؟ هيرنان كورتيس؟ فرانثيسكو بيثاررو؟ هل كان قاطنو أميركا قبلهم خرساناً؟

أخبَرونا، وما زالوا يُخبروننا، أن حجاج مايفلاوير جاؤوا لاستيطان أميركا. هل كانت أميركا خالية قبلهم؟

لأن كولومبوس لم يفهم ما يقولون، ظنّ أنهم لا يعرفون الكلام.

لأنهم كانوا عراة ومسالمين، يعطون كل شيء دون مقابل، ظنّ أنهم ليسوا بشراً عقلانيين.

ولأنه كان واثقاً من أنه وصل إلى الشرق من بابه الخلفي، ظنّ أنهم هنود من الهند.

لاحقاً، في رحلته الثانية، سكّ الأدميرال وثيقة تقول أن كوبا جزء من قارة آسيا.

هذه الوثيقة -كُتبت في الرابع عشر من حزيران 1494- تنصّ على أن أعضاء طاقم سفنه الثلاث يُقرّون جميعاً بذلك، وأنّ من ينكر منهم ذلك سيواجه عقوبة الجلد مئة جلدة، ويُغرّم بعشرة آلاف مارابيدي (العملة الاسبانية آنذاك)، ويُقطع لسانه.

الكاتب بالعدل، هيرنان بيريث دي لونا، خطّ توقيعه على الوثيقة.

تحت توقيع الكاتب بالعدل، وقّع من البحّارة من يعرف كيف يوقّع.

لقد طالب الفاتحون أن تكون أميركا ما لم تكن. لم يروا ما يرون، بل ما كانوا يريدون رؤيته: نبع الشباب، مدينة الذهب، مملكة الزمرّد، بلد القرفة. وصوّروا الأميركيين على صورة ما كانوا يتخيلونه عن وثنيي الشرق.

كريستوف كولومبوس رأى في سواحل كوبا حوريات، بوجوه بشرية وريش ديكة، وعرف أنه، في مكان غير بعيد عن هذا، للرجال والنساء ذيول كالحيوانات.

في غوايانا، حسب سير والتر راي، كان هناك بشر بعيونٍ على الأكتاف، وأفواه في الصدور.

في فنزويلا، حسب الفرير بيدرو سيمون، كان للهنود آذان طويلة تصل إلى الأرض.

في نهر الأمازون، حسب كريستوبال دي أكونيا، كان للسكان الأصليين أرجل معكوسة: كعوبهم إلى الأمام وأصابعهم إلى الخلف. وحسب بيدرو مارتين دي آنغليريا، تستأصل النساء أحد ثدييهنّ كي يصوّبن السهام على الأقواس بشكل أفضل.

آنغليريا، الذي كتب أول تاريخٍ لأميركا رغم أن قدمه لم تطأ أرضها قط، أكد أيضاً أن هناك أناس بذيول في العالم الجديد، حسبما روى كولومبوس، وروى أيضاً أن ذيولهم طويلة لدرجة أنهم لا يستطيعون الجلوس إلا على مقاعد مثقوبة.

منع القانون الأسود تعذيب العبيد في المستعمرات الفرنسية. لكن لم يكن التعذيب، بل التأديب، حجّة السادة كي يجلدوا عبيدهم السود ويُقطّعوا أربطتهم العضلية.

شاعريةٌ كانت قوانين الهند، التي نصّت على حماية الهنود في المستعمرات الإسبانية. الأكثر شاعرية منها كان منظر أعواد المشانق في ساحات البلدات.

مُقنعةٌ كانت قراءة البيان قبل اقتحام كل قرية، بيانٌ يشرح للهنود أن الله أتى إلى العالم، وأنه ترك القديس بطرس خليفةً له، وأن الأب الأقدس هو خليفة القديس بطرس، والأخير منح الملكة إيزابيل كل هذه الأراضي، ولهذا السبب كان عليهم أن يُغادروها أو يدفعوا جزية ذهبية، وفي حال التأخير أو الرفض فإنهم سيُحاربَون وسيتم استعبادهم هم ونساؤهم وأطفالهم. لكن هذا البيان كان يُتلى على أعلى تلة ليلاً، باللغة القشتالية ودون ترجمان، وبوجود كاتبٍ بالعدل يوثّق قراءته لكن دون وجود أي هندي. الهنود كانوا نائمين على بعد أذرعٍ قليلة، ولا علم لهم بما سيحلّ بهم.

حتى ما قبل سنواتٍ قليلة، كان اسم الثاني عشر من تشرين الأول يوم العِرق.

لكن، هل هناك وجود لهذا الشيء؟ ما معنى عِرق فعلياً، عدا كونه كذبة مفيدة لاستنزاف الآخر وإبادته؟

عام 1942، حين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، قرر الصليب الأحمر في الولايات المتحدة أن الدم الأسود لن يُقبل في بنوك الدم. كانوا يريدون تحاشي اختلاط الأعراق، التي كان ممنوعاً عليها أن تختلط على الأسرّة، عبر عمليات نقل الدم. هل رأى أحدكم يوماً دماً أسوداً؟

بعدها، غيروا اسم يوم العِرق إلى يوم التلاقي.

هل كان الاجتياح الاستعماري تلاقياً؟ اجتياح الأمس، اجتياح اليوم، تلاقي؟ أليس من الأولى أن يُسمّى اغتصاباً؟

لعلّ أكثر فصول تاريخ أميركا تجلياً هو الذي حصل في تشيلي عام 1563. كان حصن آراوكو محاصراً من قِبل الهنود، ومحروماً من الماء والطعام. لكن الكابتن لورينثو بيرنال رفض الاستسلام، وصعد إلى أعلى التحصينات وصرخ:

– سيكون عددنا أكبر فأكبر.

– بأي نساء، صرخ زعيم الهنود.

– بنسائكم، سنجعلهن يحبلن بأبناءٍ سيكونون سادتكم.

قال الفاتحون أن الأميركيين القُدامى هم آكلو لحوم البشر. لكن آكل لحوم البشر فعلاً كان ثيرّو ريكو دي بوتوسي (جبل في بوليفيا، وهو أحد أكبر مناجم الفضة في أميركا اللاتينية)، الذي كان ينهش لحم الهنود لتغذية النمو الرأسمالي لأوروبا.

قالوا عنهم أيضاً أنهم مشركون لأنهم آمنوا بقدسية الطبيعية، وبأخوّة كل الكائنات التي تمشي على قدمين، أو تطير بأجنحة، أو لها جذور في الأرض.

قالوا عنهم أنهم متوحشون. في هذه، على الأقل، لم يخطئوا. كان الأميركيون القدامى متوحشين لدرجة أنهم لم يعرفوا أن عليهم أن يطلبوا تأشيرة دخول وإذن عمل ووثيقة حسن سلوك من كولومبوس، كابرال، كورتيس، ألبارادو، بيثارّو، وحجاج مايفلاوير.