أرشيف الكاتب: ياسين السويحة

عن ياسين السويحة

مدوّن وكاتب صحفي سوري/ اسباني. رئيس تحرير موقع الجمهورية (www.aljumhuriya.net). أكتب عن الشأن السوري، وعن اسبانيا وأميركا اللاتينية. مهتم بمواضيع الذاكرة التاريخية، والتغيرات الاجتماعية والثقافية خلال وبعد النزاعات المسلحة وسيطرة أنظمة الحكم الدكتاتورية.

بلم 5

قبل أيام، كنت أبحث في تلفوني عن رقم ما. لا أذكر تحت أي اسم حفظته حين أرسله لي أحد الأصدقاء قبل شهور عبر وتس أب. ربما حفظته دون اسم (وكثيراً ما أفعل)، أو بالاسم الذي أرسله صديقي، أو وضعت له اسماً. لا أدري. لكن كنت أعتقد أنني لو شاهدت الاسم أو الرقم فسأعرفه، لذلك بدأت بتفقد القائمة أبجدياً.

انتهت قائمة الأسماء بالأحرف اللاتينية (وهي الغالبية العظمى)، وبدأت الحروف العربية. عند حرف الباء اكتشفت أن لدي أرقام عديدة تحت اسم “بلم”. لدي “بلم 1”؛ “بلم 2”؛… وهكذل حتى “بلم 7”.

لفت نظري غياب “بلم 5” عن المتوالية.

هذه أرقام حفظتها على تلفوني في الفترة التي تلاحق فيها سفر أصدقاء عبر البحر باتجاه أوروبا، خلال صيف 2015 وحتى بداية 2016 ودخول الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ وفرض الفيزا على السوريين الراغبين بدخول تركيا. كنت أحفظ هذه الأرقام احتياطاً مع رقم الصديق المسافر: نطلب منه رقماً إضافياً يطلبه من أحد مرافقيه كي نطمئن عليه خلال سفره، أو كي يرسل لنا رسالة استغاثة في حال تعرضوا لمشكلة كي نُرسل الموقع، عبر وتس أب، إلى خفر السواحل.

وجدت أيضأ أن لدي رقم “خفر سواحل اليونان”. هذا الرقم ظريف. اضطررنا لاستخدامه مرتين، ولحسن الحظ جرى إنقاذ المستغيثين. حين تفتح محادثة وتس أب معه تجد أنهم قد وضعوا “لوغو” خفر السواحل كصورة شخصية، ووضعوا “ستاتوس” يقول “فقط وتس أب، لا تحاول الاتصال”.

عندي أيضاً رقمان، “كراج” و”كراج1” كنت قد حفظتهما لكي أتمكن من الحديث مع “فرقة إنقاذ” (وجدنا معلوماتها في مجموعة فيسبوكيّة اسمها كراجات المشنططين، من هنا التسمية) عبر وتس أب. وجدنا الأرقام في ليلة عصيبة من تشرين الثاني 2015، استغاث بها معارف أحد أصدقائي حين كنا سويةً في أحد مقاهي اسطنبول.

أتذكر الرقمين الأخيرين، وأتذكر متى حفظتهما. لكني لا أستطيع الربط بين أرقام “بلم” ورحلة أي من الأصدقاء والأقارب. ست رحلات، ستة أرقام. لا أدري أي رقم لأي رحلة.

هي رحلات أصدقاء عاشوا زمناً في تركيا، ثم قرروا الرحيل لأسباب مختلفة. أو أصدقاء آخرون أتوا إلى اسطنبول فقط كي يركبوا البحر أو يأخذوا طريق البر. بعضهم قضى أياماً في اسطنبول كـ”سائح” قبل ركوب القارب، وبعضهم قضى أشهراً. هناك أصدقاء لم يرحلوا تهريباً بل بطريقة نظامية، لكنهم قضوا فترة في اسطنبول بانتظار الفيزا.

أياً يكن، كانوا جزءاً من “اسطنبول سوريّة”. هناك أكثر من اسطنبول. هناك عدة اسطنبولات تركيّة، وهناك أيضاً عدة اسطنبولات سوريّة. قد تكون المسافة النفسية بين اسطنبول واسطنبول من حجم المسافة بين بيروت وبرلين، أو أكثر!

اسطنبولنا السوريّة، هذه التي تتمشّى في “الـ”استقلال؛ تركب المترو في “تأسيم”؛ تضرب مواعيداً في “ساحة الخوازيق”؛ تقيم في “الـ”فاتح؛ تأكل “شاورما سوريّة”؛ تشتري الملابس في “أل سي وايكيكي”؛ وتشتكي أن “الأتراك ما بيحكوا انكليزي”، كانت كوزموبوليتية على أيام البلم. مفتوحة، شرِحة، من دُبي إلى مالمو (حاول لفظ “مالمو” بإمالة الألف، على الطريقة الحلبية)، من الرقة إلى برلين، ومن باريس إلى الاسكندرية، ومن بيروت إلى أمستردام. كانت سوريّة، سوريّة جداً. لكنها كانت “عالمية” أيضاً. مطار أتاتورك كان عاصمة. كانت طريقة التهرّب من موعد ما هو ادّعاء أن لديك أقرباء يجب أن تستقبلهم في المطار لأنهم قادمون كي يركبوا البحر. ربما تقول “صبيحة” بدل أتاتورك كي تزيد الادّعاء تعقيداً، والمشوار طولاً.

اسطنبول السوريّة اليوم خانقة، مغلقة. قبو “1+1”، وكمسيون شهر للـ”إملاكجي”، وشهرين “ديبوزيت”. والـ”كومبي” يتعطّل يوم الثلج.

….

لم أجد الرقم الذي كنت أبحث عنه. لكن عندي أرقام بلمات لا يمكنني أن أعرف أين هم أصحابها الآن. على كل حال، تركتها محفوظة ولم أحذفها.

النهايات

لا أتذكر كيف، ولا متى، لكنني اكتشفت منذ صباي أن لديّ تعلقاً غريباً بما انتهى زمانه وبقيت آثاره. مثلاً، أحبّ منظر المصايف في الخريف، أي الفنادق المقفرة بعد صيف مزدحم، بقايا المظلات، أكشاك بيع المثلجات والمرطبات المغلقة في الشواطئ الرمادية..

في جنوب سانتياغو هناك حديقة أقيمت على ضفة نهر صغير يقطع سانتياغو، واسمه “ساريلا”. هذا النهر هو عبارة عن رافد لنهر أكبر اسمه “سار”. تمرّ هذه الحديقة بآثار مطاحن من القرن التاسع عشر، انمحى منها كل ما هو خشبي وبقيت الجدران الحجريّة فقط. هذه المطاحن هي إحدى زواياي المفضلة في المدينة.

ليست الفكرة في الإعجاب بالتحف أو الآثار، أو ببساطة ما هو قديم. الأمر غير متعلّق بنوستالجيا ماضويّة على الإطلاق، بل في آثار الماضي على الحاضر، آثار لم يعد لها معنى أو فائدة. كانت هنا، وبقيت هنا، لكن بدون مغزى. هي هنا لأن أحداً لم يهتم بألا تكون. لا أدري كذلك إن كان لذلك علاقة مع كوني شخص مدقع الفشل في التعامل مع نهايات الأشياء. هذه الـ”نقطة انتهى”، الضرورية للغاية من أجل تأسيس البدايات، ليست اختصاصي على الإطلاق، بل أن هذه النقاط هي كجمرٍ أتهرّب من الإمساك به. تنطبق هذه المعضلة حتى على المسلسلات والروايات، ثمة كآبة سمجة تطلّ برأسها في الصفحات الأخيرة، أو بعد انتصاف الموسم الأخير من المسلسل. حين أشاهد مسلسلاً للمرة الثانية، أو أعيد قراءة رواية أحبّها، ليس من الغريب أن أترك النهاية دون مشاهدة أو قراءة. أعرف ما حدث لأنني قرأته أو شاهدته في المرّة الأولى (رغماً عني)، لكن النهايات المفتوحة، التي ليست نهايات، مريحة أكثر، أو هكذا أقنع نفسي.

هنا، من البديهي القول أنني أعاني أيضاً كآبة مساء الأحد الشهيرة. ليس من المعتاد أن تكون عطل نهاية الأسبوع مميزة جداً عندي، بل ليس من المعتاد أن تكون “عُطلاً” أصلاً. لكن مع ذلك، نهايتها كشبك العنكبوت.

من هذا الباب، ربما، كانت (نهاية) علاقتي مع التدوين ملتبسة. بدأت أبتعد عنه في 2011، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أكثر ملاءمة لآنية الأخبار وسرعتها؛ وأيضاً لأنني بدأت أكتب في صحف ومواقع الكترونية، ثم في الجمهوريّة. لكن مع ذلك، بقيت مدونتي مفتوحة، أشعر بالذنب تجاهها بين الحين والآخر فأكتب لها تدوينات متباعدة، أو أضع فيها المحتوى المنشور سابقاً في مواقع أخرى فقط لكي أشعر أنني لم أزرها خالي اليدين. كانت مدونتي السابقة أرشيف نموّي وتطوري وخراقاتي خلال ما يقارب العقد. لا شيء فيها أتبرأ منه، لكن فيها الكثير مما يستحيل أن أقرأه اليوم دون أن أشعر بالكثير من الخجل من سطحيته أو قلة إحاطته.

لكن هناك ما أحنّ إليه من زمن التدوين: الجرأة. لم أكن أخاف الخطأ أو “التخبيص”. العمر؛ قلة الاكتراث للمسؤولية تجاه المنبر؛ الإحساس بأن “جمهورك” أصغر من جمهور المنابر الأعم، وأقل انفعالاً (وتحطيماً) من “أصدقاء” وسائل التواصل الاجتماعي؛ فداحة ما يحيط بك، ويجعلك تقنع نفسك أن أقل ما يمكن أن تفعله لضحاياه هو ألا تكون “تافهاً”.

ولأن مدونتي السابقة هي “تاريخ” بالنسبة لي، فقد كان وجودها ثقيلاً بعض الشيء، لذلك أغلقتها صيف العام الماضي. لم يُحذف محتواها، لكنه لم يعد عامّاً. كنت كذلك أقنع نفسي بضرورة وضع نقطة نهاية لمرحلة التدوين، تكريماً لها كمرحلة تأسيسية من حياتي، وأيضاً كمساعدة لإعادة تعريف نفسي خارجها.

مجموع هذه الأمور عبارة عن قيود، عن عدد هائل من المسودّات غير المكتملة، التي لا تحظى باهتمام (وجرأة أحياناً) لإكمالها؛ ولا تحصل على موت كريم في سلة مهملات الكمبيوتر. فقط تبقى عالقة على سطح المكتب، أو داخل ملف اسمه “مسودات”.

التعامل مع النهايات، مجدداً..

هذه المدونة فُتحت والتدوين يشبه تلك المطاحن على ضفة نهر ساريلا. يُعلن ويُعاد إعلان موت التدوين منذ 2009، أي منذ تضاعف انتشار فيسبوك وتويتر. لكن المدونات موجودة، وإن خامدة. بين الحين والآخر يظهر نص هنا، مدونة جديدة هناك، مدوّن ما يشعر بالذنب تجاه مدونته.. الخ

لا يجيد التدوين التعاطي مع النهايات، نشبه بعضنا.

القصد من هذه المدوّنة هو أن تكون، إلى حدّ ما، كشاطئ الاصطياف في الخريف، ما يوفّر بعض الإحساس بالأمان من مسؤولية المنبر الكبير، أو آنية الصراع الفيسبوكي المنغلق. ابتعاد دون عزلة. هذا هو القصد المفترض، لكن لا شك أن هناك قدراً كبيراً من العجز عن التعامل مع أن هناك نقطة نهاية لمسيرتي كمدوّن.

هذا لا يعني أن هذه المدونة ستستمر وينتظم نشرها، أو ستتوقف وتُغلق تماماً. لا أدري في الحقيقة. هي مجرد مكان دون إحساس بالكثير من المسؤولية تجاهه. مكان لا “ينق” عليك مطالباً بنهايته..