بلم 5

قبل أيام، كنت أبحث في تلفوني عن رقم ما. لا أذكر تحت أي اسم حفظته حين أرسله لي أحد الأصدقاء قبل شهور عبر وتس أب. ربما حفظته دون اسم (وكثيراً ما أفعل)، أو بالاسم الذي أرسله صديقي، أو وضعت له اسماً. لا أدري. لكن كنت أعتقد أنني لو شاهدت الاسم أو الرقم فسأعرفه، لذلك بدأت بتفقد القائمة أبجدياً.

انتهت قائمة الأسماء بالأحرف اللاتينية (وهي الغالبية العظمى)، وبدأت الحروف العربية. عند حرف الباء اكتشفت أن لدي أرقام عديدة تحت اسم “بلم”. لدي “بلم 1”؛ “بلم 2”؛… وهكذل حتى “بلم 7”.

لفت نظري غياب “بلم 5” عن المتوالية.

هذه أرقام حفظتها على تلفوني في الفترة التي تلاحق فيها سفر أصدقاء عبر البحر باتجاه أوروبا، خلال صيف 2015 وحتى بداية 2016 ودخول الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ وفرض الفيزا على السوريين الراغبين بدخول تركيا. كنت أحفظ هذه الأرقام احتياطاً مع رقم الصديق المسافر: نطلب منه رقماً إضافياً يطلبه من أحد مرافقيه كي نطمئن عليه خلال سفره، أو كي يرسل لنا رسالة استغاثة في حال تعرضوا لمشكلة كي نُرسل الموقع، عبر وتس أب، إلى خفر السواحل.

وجدت أيضأ أن لدي رقم “خفر سواحل اليونان”. هذا الرقم ظريف. اضطررنا لاستخدامه مرتين، ولحسن الحظ جرى إنقاذ المستغيثين. حين تفتح محادثة وتس أب معه تجد أنهم قد وضعوا “لوغو” خفر السواحل كصورة شخصية، ووضعوا “ستاتوس” يقول “فقط وتس أب، لا تحاول الاتصال”.

عندي أيضاً رقمان، “كراج” و”كراج1” كنت قد حفظتهما لكي أتمكن من الحديث مع “فرقة إنقاذ” (وجدنا معلوماتها في مجموعة فيسبوكيّة اسمها كراجات المشنططين، من هنا التسمية) عبر وتس أب. وجدنا الأرقام في ليلة عصيبة من تشرين الثاني 2015، استغاث بها معارف أحد أصدقائي حين كنا سويةً في أحد مقاهي اسطنبول.

أتذكر الرقمين الأخيرين، وأتذكر متى حفظتهما. لكني لا أستطيع الربط بين أرقام “بلم” ورحلة أي من الأصدقاء والأقارب. ست رحلات، ستة أرقام. لا أدري أي رقم لأي رحلة.

هي رحلات أصدقاء عاشوا زمناً في تركيا، ثم قرروا الرحيل لأسباب مختلفة. أو أصدقاء آخرون أتوا إلى اسطنبول فقط كي يركبوا البحر أو يأخذوا طريق البر. بعضهم قضى أياماً في اسطنبول كـ”سائح” قبل ركوب القارب، وبعضهم قضى أشهراً. هناك أصدقاء لم يرحلوا تهريباً بل بطريقة نظامية، لكنهم قضوا فترة في اسطنبول بانتظار الفيزا.

أياً يكن، كانوا جزءاً من “اسطنبول سوريّة”. هناك أكثر من اسطنبول. هناك عدة اسطنبولات تركيّة، وهناك أيضاً عدة اسطنبولات سوريّة. قد تكون المسافة النفسية بين اسطنبول واسطنبول من حجم المسافة بين بيروت وبرلين، أو أكثر!

اسطنبولنا السوريّة، هذه التي تتمشّى في “الـ”استقلال؛ تركب المترو في “تأسيم”؛ تضرب مواعيداً في “ساحة الخوازيق”؛ تقيم في “الـ”فاتح؛ تأكل “شاورما سوريّة”؛ تشتري الملابس في “أل سي وايكيكي”؛ وتشتكي أن “الأتراك ما بيحكوا انكليزي”، كانت كوزموبوليتية على أيام البلم. مفتوحة، شرِحة، من دُبي إلى مالمو (حاول لفظ “مالمو” بإمالة الألف، على الطريقة الحلبية)، من الرقة إلى برلين، ومن باريس إلى الاسكندرية، ومن بيروت إلى أمستردام. كانت سوريّة، سوريّة جداً. لكنها كانت “عالمية” أيضاً. مطار أتاتورك كان عاصمة. كانت طريقة التهرّب من موعد ما هو ادّعاء أن لديك أقرباء يجب أن تستقبلهم في المطار لأنهم قادمون كي يركبوا البحر. ربما تقول “صبيحة” بدل أتاتورك كي تزيد الادّعاء تعقيداً، والمشوار طولاً.

اسطنبول السوريّة اليوم خانقة، مغلقة. قبو “1+1”، وكمسيون شهر للـ”إملاكجي”، وشهرين “ديبوزيت”. والـ”كومبي” يتعطّل يوم الثلج.

….

لم أجد الرقم الذي كنت أبحث عنه. لكن عندي أرقام بلمات لا يمكنني أن أعرف أين هم أصحابها الآن. على كل حال، تركتها محفوظة ولم أحذفها.