متلازمة لاهدنتس

حين زار الكاتب الفرنسي الشهير ستندهال كنيسة الصليب المقدس في فلورنسا، إحدى جواهر عصر النهضة الإيطالي، وصف ما شعر به عند رؤية كمّ الجمال والإبداع المعماري والفني في تلك الكنيسة في نصّ شهير، قال فيه أنه شعر بتسارع شديد في ضربات القلب، ودوار جعله يخشى الوقوع على الأرض، وصعوبة جمّة في التنفّس. كان هذا النص باكورة استخدام متكرر لما وُصف رومانسياً بـ ”متلازمة ستندهال“: أعراض الانفعال والوهن والدوار عند مشاهدة معلم جميل لدى بعض مرهفي الإحساس.

استُخدم مصطلح ”متلازمة ستندهال“، وما زال يُستخدم، في الأدب والكتابة، وحتى في اللغة المحكية، بشكل خاص الغزل المتثاقف من نمط: أصابتني متلازمة ستندهال حين رأيتك للمرة الأولى! وحصل أن عمل أخصائيون نفسيون على تأصيل المرض علمياً، ومُنح اسماً آخراً هو ”متلازمة فلورنسا“، في حين عارض أخصائيون آخرون تضخيم المسألة، بالذات فيما يخص ربط الإحساس بمدينة فلورنسا، إذ رأوا فيه دعاية سياحية مُبطّنة، تليق بدونالد دريبر ومجانينه.

عند هذه المرحلة من هذا ”النُصيّص“ يفترض أن أبتدع طريقة لتحويل الكلام من ستندهال وفلورنسا إلى الرقة. ليس لديّ أدنى فكرة حول كيف يمكن أن أكتب تحويلاً سلساً لا يُضيّع القارئ أو يُشعره بأنه دخل مُنعطفاً حادّاً بسرعة فائقة. من محاسن المدوّنة أنها تسمح لك ببعض الكسل في هذه الأمور، وأن تستعيض عن فعل شيء بتعبيرك عن عدم رغبتك في فعله. هذا ما فعله هذا المقطع.

تحدّثت كثيراً في فيسبوك في الفترة الأخيرة عن البحلقة في صور الدمار في الرقة ومحاولة تلمّس ملامح تسمح بمعرفة مكان التقاط الصورة: بقايا شارع، معلم ما، حطام بناء مُميّز.. الخ. في المرّة الأخيرة التي تطرّقت فيها لهذا الأمر قلت أنه يُذكّرني بطلاب الطب حين يتعلّمون تمييز ملامح الصور الشُعاعية والرنين المغناطيسي والإيكو، وكيف يأخذ الأستاذ بيدهم ويريهم الحدود الباهتة بين الأعضاء، وكيف يتعلمون تمييز التراكب، وغيرها من هذه الأمور. يحصل أيضاً أن يكون الأستاذ (خاصة إن كان شاباً) طاووساً بعض الشيء، ويبدأ باستعراض مهاراته في تمييز أشياء يستحيل على طالب طب، وربما أيضاً على طبيب غير مختص بالأشعة، أن يراها أصلاً.

أذكر، قبل سنوات طويلة، أن أحد معارفي، وهو تاجر سيارات، رأى ما كان مُصراً على أنه أثر ضربة تم إصلاحها في سيارة أحد أقربائي، والتي كان قد اشتراها على أنها خالية العَلام. تجمّع ما لا يقل عن خمسة أشخاص حول السيارة، بينهم أنا، وبدّلنا الزوايا وغيّرنا الإضاءة ولم نرَ شيئاً. لكن أمام إصرار ”الأخصائي“ قرر صاحب السيارة الذهاب إلى البائع، وبعد جدال طويلة وتحليفات وتهديد بطلب ”خبرة“، اعترف البائع أن السيارة فعلاً ”مضروبة“.

هناك ”أخصائيون“ يميّزون شوارع الرقة تحت الدمار والحطام هذه الأيام. كل صورة تظهر على فيسبوك تجمع حولها عشرات الرقاويين، ويبدأ النقاش حول أين أُخذت هذه الصورة: أليس هذا محل فلان؟ أليست تلك بناية كذا؟ تلك الزاوية هي الشارع الفلاني.. الخ

أشارك أحياناً في هذه النقاشات، لكنني أخوضها مع نفسي فقط غالباً. عقلي الباطن يحاول التباهي بذاكرة فوتوغرافيّة قويّة للغاية، وعقلي الأقل عمقاً يقمعه بين الحين والآخر.. سجالٌ تافه من ضمن سجالات تافهة كثيرة.

استيقظتُ اليوم على رؤية الصورة المنشورة أعلاه لساعة الرقة. ساحة الساعة هي دوّار أساسي في المدينة. يلتقي فيها شارع القوتلي (أي سوق المدينة الأساسي فيما يخص التبادل مع الريف الأقرب)؛ وشارع تل أبيض (أحد أطول شوارع المدينة وأهمها تجارياً)؛ وشارع الوادي (وهو شارع طويل آخر، يكاد يقسم المدينة إلى جزئين، شرقي وغربي)؛ وشارع يؤدي إلى مديرية التربية والسجن السابق، ثم حارة الشراكسة فالثكنة؛ ونزلة الساعة، التي تؤدي إلى الساحة الضخمة التي كانت تحوي تمثال حافظ الأسد الشهير الذي هوى، وهذه الساحة الضخمة هي فعلياً مدخل المدينة الرئيسي.

في نزلة الساعة عاشت الرقة إحدى مشاهدها الأيقونية الثورية، حين حاولت مظاهرة انطلقت بعد تشييع الشهيد علي البابنسي، أواسط آذار عام 2012، الوصول إلى ”ساحة الرئيس“. فتحت الشرطة العسكرية النار على المظاهرة واستشهد ما لايقل عن عشرة أشخاص. قبل فتح النار حاول بعض المتظاهرين إثبات سلميّتهم بفتح أذرعهم والجثو على ركبهم أمام حاجز الشرطة العسكرية، ما لم يمنع الأوباش ذوي القبعات الحمر من فتح النار عليهم.

على الزاوية الجنوبية الشرقية لساحة الساعة نجد (أو كنا نجد) مبنى البريد القديم، وقد دُمّر تماماً، وخلفه إبتدائية الرشيد؛ والزاوية الجنوبية الغربية مشغولة ببناء كان مدرسةً للإناث، ليتحوّل لاحقاً إلى ”شعبة التربية“ لحزب البعث. في شرق الساحة فندق اسمه ”غرناطة“، قديم ومتهالك، لا أدري لماذا يرتبط في ذهني بأغاثا كريستي، رغم أنها لم تزر الرقة، وخلفه يظهر بناء ضخم وجميل، وهو بيت آل الكعكجي. باقي ما يُحيط بالساحة هو محلات تجارية.

وسط الساحة هناك برج الساعة، الذي بُني في الستينات، وكان مكانه مشغولاً قبل ذلك بسينما صيفية (حسبما أسمع من الرفيق الوالد). كان ثمة تمثال مزدوج يعلو الساعة، سوفيتي القوام، لرجل وامرأة يحملان مشعلاً. كانت الساعة معطّلة على الدوام، وتعمل فقط عند تغيير رئيس البلدية. يحاول دوماً رئيس البلدية الجديد إثبات أنه ”شغّيل“ عبر تشغيل الساعة لبضعة أسابيع. أحد هؤلاء لبّس برج الساعة حجراً سورياً أوائل التسعينات، وأحاطها بسياج من نفس الحجر، ثم قام آخر بإضافة مكبرات تصدر صوتاً مزعجاً للغاية رأس كل ساعة، صوت يُفترض أنه موسيقى أجراس. من حسن الحظ أن الساعة كانت تتعطّل بسرعة.

كأماكن كثيرة أخرى من الرقة، أعرف تلك المنطقة جيداً، ولديّ، كما قلت، ذاكرة فوتوغرافية قادرة على تمييز ملامح الأبنية رغم مرور السنين. مع ذلك، قضيت دقائق طويلة أتفحّص الصورة: هذه هي الساعة، لكن من أي زاوية التُقطت الصورة؟ عُرض الشارع يترك خيارين فقط: إما شارع القوتلي أو شارع الوادي. القوتلي؟ إذاً المدرسة على اليسار، وهذا الذي على اليمين هو فندق غرناطة. لكن الملامح مختلفة.. إذاً الوادي؟ لا.. الوادي مستحيل. الخ

في خضمّ هذا الحوار، المتكرر مع كلّ صورة، تذكرت المرحوم ستندهال. في هكذا حالة، حين تظهر أمامي صورة لدمار الرقة (لا أبحث عن الصور بحثاً، لكن لا أتجنب رؤيتها حين تظهر أمامي) أشعر بنفضة صدرية مفاجئة، وحوار ذاتي قد يدوم أجزاء من الثانية حول هل أتفحصها أو لا. لتبدأ دقات القلب بالتسارع مع تمييز ملامح قريبة من شارع المنصور، ثم تعرّق بارد، ثم فتحً أبله لتشات الفيسبوك لرؤية من من أصدقائي أو أقربائي على الخط (وغالباً ما يكون طارق الشام هو ”ضحيتي“) كي نتبادل الخبرات حول الصورة..

ليست هذه العملية شأناً خاصاً بالرقاويين بطبيعة الحال، فهي حالة عاشتها مدن وبلدات كثيرة من الجغرافيا السورية للأسف. يُميّز الرقة قلّة الصور، وعدم القدرة على التواصل مع من بإمكانه أن يُصوّر لك شيئاً محدداً. ربما هذه الأخيرة جيدة، لأنني لستُ متأكداً من رغبتي برؤية حارتي اليوم، صراحةً. الفظاعة جذّابة، للمفارقة، وكلما كانت الفظاعة أقرب كلما كانت أكثر ألماً، وجاذبيتها أكثر مغناطيسية. يحدث أن أخاف من هذا الشيء، وأخاف على من لا يخافه بشكل مسبق، وهنا أفكر بوالدي بشكل خاص. هو الآخر ”متفحّص صور“ محترف منذ خرج من الرقة قبل شهرين ونيف. يخطر لي أحياناً أن أطلب منه ألا يفعل، ولا أجرؤ، لأنني أعلم أنه طلب غير ذي جدوى.

لم أُصب بالدوار، لكن أعرف من أُصيب به عند رؤية صورة. أعرف من بكى عندما شاهد مقبرة الرقة مجروفة، وأعرف أنني لست الوحيد الذي يعيش تسارع ضربات القلب والتعرّق البارد والبحث الفُجائي عن ”إمداد“ من آخرين، على تشات الفيسبوك أو على الهاتف. إمدادٌ لا يبدو بحثاً عن رأي إضافي أو معلومة مُساعدة بقدر ما هو مؤازرة: لا أريد أن ”أتعرّف“ على هذا المشهد لوحدي.

ليست الرقة فلورنسا، وليس أحدٌ منا ستندهال، وليس الأمر ردّة فعلٍ على الجمال، بل تفحًص الشناعة بأشنع تجلياتها. ما وصفته أعلاه ليس حتى ”مُتلازمة“. لكن نرجسية الكآبة الرقاوية جعلتني أفترض أنه متلازمة فعلاً، وأنه هذه المتلازمة ليست إلا خيال مرآةٍ غروتِسكي لمتلازمة ستندهال، ومن هنا فذلكة عكس ترتيب حروف اسم الكاتب الفرنسي في العنوان.

“اكتشاف” أميركا والتاريخ الرسمي

في الثاني عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، “يحتفل” العالم الناطق بالاسبانية بذكرى “اكتشاف” أميركا على يد كريستوف كولومبوس. النص المُترجم أدناه لإدواردو غاليانو، الكاتب والصحفي الأوروغواياني الشهير، والذي توفي قبل عامين ونصف. لغاليانو كتاب شهير بعنوان عروق أميركا اللاتينية المفتوحة (1971) يُراجع فيه تاريخ أميركا اللاتينية منذ بداية الاستعمار الأوروبي وحتى الزمن المُعاصر. للكاتب عدّة نصوص ساخرة دارجة عن “اكتشاف” أميركا وعن “التاريخ الرسمي” الذي كتبه المنتصرون، منها ما هو مُقتطف من الكتاب المذكور، وأخرى، مثل هذا النص، نُشرت في منابر صحفية متعددة.

 

هل اكتشف كريستوف كولومبوس أميركا عام 1492؟ أم اكتشفها الفايكينغ قبله؟ وقبل الفايكينغ، ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ ألم يكن لهم وجود؟

يقول التاريخ الرسمي أن باسكو نونيث دي بالبوا كان أول إنسان رأى المحيطين معاً من على قمة جبلٍ في بنما. ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ أكانوا عمياناً؟

مَن وضع الأسماء الأولى للذُرة والبطاطا والبندورة والشوكولا؟ مَن سمّى جبال وأنهار أميركا؟ هيرنان كورتيس؟ فرانثيسكو بيثاررو؟ هل كان قاطنو أميركا قبلهم خرساناً؟

أخبَرونا، وما زالوا يُخبروننا، أن حجاج مايفلاوير جاؤوا لاستيطان أميركا. هل كانت أميركا خالية قبلهم؟

لأن كولومبوس لم يفهم ما يقولون، ظنّ أنهم لا يعرفون الكلام.

لأنهم كانوا عراة ومسالمين، يعطون كل شيء دون مقابل، ظنّ أنهم ليسوا بشراً عقلانيين.

ولأنه كان واثقاً من أنه وصل إلى الشرق من بابه الخلفي، ظنّ أنهم هنود من الهند.

لاحقاً، في رحلته الثانية، سكّ الأدميرال وثيقة تقول أن كوبا جزء من قارة آسيا.

هذه الوثيقة -كُتبت في الرابع عشر من حزيران 1494- تنصّ على أن أعضاء طاقم سفنه الثلاث يُقرّون جميعاً بذلك، وأنّ من ينكر منهم ذلك سيواجه عقوبة الجلد مئة جلدة، ويُغرّم بعشرة آلاف مارابيدي (العملة الاسبانية آنذاك)، ويُقطع لسانه.

الكاتب بالعدل، هيرنان بيريث دي لونا، خطّ توقيعه على الوثيقة.

تحت توقيع الكاتب بالعدل، وقّع من البحّارة من يعرف كيف يوقّع.

لقد طالب الفاتحون أن تكون أميركا ما لم تكن. لم يروا ما يرون، بل ما كانوا يريدون رؤيته: نبع الشباب، مدينة الذهب، مملكة الزمرّد، بلد القرفة. وصوّروا الأميركيين على صورة ما كانوا يتخيلونه عن وثنيي الشرق.

كريستوف كولومبوس رأى في سواحل كوبا حوريات، بوجوه بشرية وريش ديكة، وعرف أنه، في مكان غير بعيد عن هذا، للرجال والنساء ذيول كالحيوانات.

في غوايانا، حسب سير والتر راي، كان هناك بشر بعيونٍ على الأكتاف، وأفواه في الصدور.

في فنزويلا، حسب الفرير بيدرو سيمون، كان للهنود آذان طويلة تصل إلى الأرض.

في نهر الأمازون، حسب كريستوبال دي أكونيا، كان للسكان الأصليين أرجل معكوسة: كعوبهم إلى الأمام وأصابعهم إلى الخلف. وحسب بيدرو مارتين دي آنغليريا، تستأصل النساء أحد ثدييهنّ كي يصوّبن السهام على الأقواس بشكل أفضل.

آنغليريا، الذي كتب أول تاريخٍ لأميركا رغم أن قدمه لم تطأ أرضها قط، أكد أيضاً أن هناك أناس بذيول في العالم الجديد، حسبما روى كولومبوس، وروى أيضاً أن ذيولهم طويلة لدرجة أنهم لا يستطيعون الجلوس إلا على مقاعد مثقوبة.

منع القانون الأسود تعذيب العبيد في المستعمرات الفرنسية. لكن لم يكن التعذيب، بل التأديب، حجّة السادة كي يجلدوا عبيدهم السود ويُقطّعوا أربطتهم العضلية.

شاعريةٌ كانت قوانين الهند، التي نصّت على حماية الهنود في المستعمرات الإسبانية. الأكثر شاعرية منها كان منظر أعواد المشانق في ساحات البلدات.

مُقنعةٌ كانت قراءة البيان قبل اقتحام كل قرية، بيانٌ يشرح للهنود أن الله أتى إلى العالم، وأنه ترك القديس بطرس خليفةً له، وأن الأب الأقدس هو خليفة القديس بطرس، والأخير منح الملكة إيزابيل كل هذه الأراضي، ولهذا السبب كان عليهم أن يُغادروها أو يدفعوا جزية ذهبية، وفي حال التأخير أو الرفض فإنهم سيُحاربَون وسيتم استعبادهم هم ونساؤهم وأطفالهم. لكن هذا البيان كان يُتلى على أعلى تلة ليلاً، باللغة القشتالية ودون ترجمان، وبوجود كاتبٍ بالعدل يوثّق قراءته لكن دون وجود أي هندي. الهنود كانوا نائمين على بعد أذرعٍ قليلة، ولا علم لهم بما سيحلّ بهم.

حتى ما قبل سنواتٍ قليلة، كان اسم الثاني عشر من تشرين الأول يوم العِرق.

لكن، هل هناك وجود لهذا الشيء؟ ما معنى عِرق فعلياً، عدا كونه كذبة مفيدة لاستنزاف الآخر وإبادته؟

عام 1942، حين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، قرر الصليب الأحمر في الولايات المتحدة أن الدم الأسود لن يُقبل في بنوك الدم. كانوا يريدون تحاشي اختلاط الأعراق، التي كان ممنوعاً عليها أن تختلط على الأسرّة، عبر عمليات نقل الدم. هل رأى أحدكم يوماً دماً أسوداً؟

بعدها، غيروا اسم يوم العِرق إلى يوم التلاقي.

هل كان الاجتياح الاستعماري تلاقياً؟ اجتياح الأمس، اجتياح اليوم، تلاقي؟ أليس من الأولى أن يُسمّى اغتصاباً؟

لعلّ أكثر فصول تاريخ أميركا تجلياً هو الذي حصل في تشيلي عام 1563. كان حصن آراوكو محاصراً من قِبل الهنود، ومحروماً من الماء والطعام. لكن الكابتن لورينثو بيرنال رفض الاستسلام، وصعد إلى أعلى التحصينات وصرخ:

– سيكون عددنا أكبر فأكبر.

– بأي نساء، صرخ زعيم الهنود.

– بنسائكم، سنجعلهن يحبلن بأبناءٍ سيكونون سادتكم.

قال الفاتحون أن الأميركيين القُدامى هم آكلو لحوم البشر. لكن آكل لحوم البشر فعلاً كان ثيرّو ريكو دي بوتوسي (جبل في بوليفيا، وهو أحد أكبر مناجم الفضة في أميركا اللاتينية)، الذي كان ينهش لحم الهنود لتغذية النمو الرأسمالي لأوروبا.

قالوا عنهم أيضاً أنهم مشركون لأنهم آمنوا بقدسية الطبيعية، وبأخوّة كل الكائنات التي تمشي على قدمين، أو تطير بأجنحة، أو لها جذور في الأرض.

قالوا عنهم أنهم متوحشون. في هذه، على الأقل، لم يخطئوا. كان الأميركيون القدامى متوحشين لدرجة أنهم لم يعرفوا أن عليهم أن يطلبوا تأشيرة دخول وإذن عمل ووثيقة حسن سلوك من كولومبوس، كابرال، كورتيس، ألبارادو، بيثارّو، وحجاج مايفلاوير.

بلم 5

قبل أيام، كنت أبحث في تلفوني عن رقم ما. لا أذكر تحت أي اسم حفظته حين أرسله لي أحد الأصدقاء قبل شهور عبر وتس أب. ربما حفظته دون اسم (وكثيراً ما أفعل)، أو بالاسم الذي أرسله صديقي، أو وضعت له اسماً. لا أدري. لكن كنت أعتقد أنني لو شاهدت الاسم أو الرقم فسأعرفه، لذلك بدأت بتفقد القائمة أبجدياً.

انتهت قائمة الأسماء بالأحرف اللاتينية (وهي الغالبية العظمى)، وبدأت الحروف العربية. عند حرف الباء اكتشفت أن لدي أرقام عديدة تحت اسم “بلم”. لدي “بلم 1”؛ “بلم 2”؛… وهكذل حتى “بلم 7”.

لفت نظري غياب “بلم 5” عن المتوالية.

هذه أرقام حفظتها على تلفوني في الفترة التي تلاحق فيها سفر أصدقاء عبر البحر باتجاه أوروبا، خلال صيف 2015 وحتى بداية 2016 ودخول الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ وفرض الفيزا على السوريين الراغبين بدخول تركيا. كنت أحفظ هذه الأرقام احتياطاً مع رقم الصديق المسافر: نطلب منه رقماً إضافياً يطلبه من أحد مرافقيه كي نطمئن عليه خلال سفره، أو كي يرسل لنا رسالة استغاثة في حال تعرضوا لمشكلة كي نُرسل الموقع، عبر وتس أب، إلى خفر السواحل.

وجدت أيضأ أن لدي رقم “خفر سواحل اليونان”. هذا الرقم ظريف. اضطررنا لاستخدامه مرتين، ولحسن الحظ جرى إنقاذ المستغيثين. حين تفتح محادثة وتس أب معه تجد أنهم قد وضعوا “لوغو” خفر السواحل كصورة شخصية، ووضعوا “ستاتوس” يقول “فقط وتس أب، لا تحاول الاتصال”.

عندي أيضاً رقمان، “كراج” و”كراج1” كنت قد حفظتهما لكي أتمكن من الحديث مع “فرقة إنقاذ” (وجدنا معلوماتها في مجموعة فيسبوكيّة اسمها كراجات المشنططين، من هنا التسمية) عبر وتس أب. وجدنا الأرقام في ليلة عصيبة من تشرين الثاني 2015، استغاث بها معارف أحد أصدقائي حين كنا سويةً في أحد مقاهي اسطنبول.

أتذكر الرقمين الأخيرين، وأتذكر متى حفظتهما. لكني لا أستطيع الربط بين أرقام “بلم” ورحلة أي من الأصدقاء والأقارب. ست رحلات، ستة أرقام. لا أدري أي رقم لأي رحلة.

هي رحلات أصدقاء عاشوا زمناً في تركيا، ثم قرروا الرحيل لأسباب مختلفة. أو أصدقاء آخرون أتوا إلى اسطنبول فقط كي يركبوا البحر أو يأخذوا طريق البر. بعضهم قضى أياماً في اسطنبول كـ”سائح” قبل ركوب القارب، وبعضهم قضى أشهراً. هناك أصدقاء لم يرحلوا تهريباً بل بطريقة نظامية، لكنهم قضوا فترة في اسطنبول بانتظار الفيزا.

أياً يكن، كانوا جزءاً من “اسطنبول سوريّة”. هناك أكثر من اسطنبول. هناك عدة اسطنبولات تركيّة، وهناك أيضاً عدة اسطنبولات سوريّة. قد تكون المسافة النفسية بين اسطنبول واسطنبول من حجم المسافة بين بيروت وبرلين، أو أكثر!

اسطنبولنا السوريّة، هذه التي تتمشّى في “الـ”استقلال؛ تركب المترو في “تأسيم”؛ تضرب مواعيداً في “ساحة الخوازيق”؛ تقيم في “الـ”فاتح؛ تأكل “شاورما سوريّة”؛ تشتري الملابس في “أل سي وايكيكي”؛ وتشتكي أن “الأتراك ما بيحكوا انكليزي”، كانت كوزموبوليتية على أيام البلم. مفتوحة، شرِحة، من دُبي إلى مالمو (حاول لفظ “مالمو” بإمالة الألف، على الطريقة الحلبية)، من الرقة إلى برلين، ومن باريس إلى الاسكندرية، ومن بيروت إلى أمستردام. كانت سوريّة، سوريّة جداً. لكنها كانت “عالمية” أيضاً. مطار أتاتورك كان عاصمة. كانت طريقة التهرّب من موعد ما هو ادّعاء أن لديك أقرباء يجب أن تستقبلهم في المطار لأنهم قادمون كي يركبوا البحر. ربما تقول “صبيحة” بدل أتاتورك كي تزيد الادّعاء تعقيداً، والمشوار طولاً.

اسطنبول السوريّة اليوم خانقة، مغلقة. قبو “1+1”، وكمسيون شهر للـ”إملاكجي”، وشهرين “ديبوزيت”. والـ”كومبي” يتعطّل يوم الثلج.

….

لم أجد الرقم الذي كنت أبحث عنه. لكن عندي أرقام بلمات لا يمكنني أن أعرف أين هم أصحابها الآن. على كل حال، تركتها محفوظة ولم أحذفها.

النهايات

لا أتذكر كيف، ولا متى، لكنني اكتشفت منذ صباي أن لديّ تعلقاً غريباً بما انتهى زمانه وبقيت آثاره. مثلاً، أحبّ منظر المصايف في الخريف، أي الفنادق المقفرة بعد صيف مزدحم، بقايا المظلات، أكشاك بيع المثلجات والمرطبات المغلقة في الشواطئ الرمادية..

في جنوب سانتياغو هناك حديقة أقيمت على ضفة نهر صغير يقطع سانتياغو، واسمه “ساريلا”. هذا النهر هو عبارة عن رافد لنهر أكبر اسمه “سار”. تمرّ هذه الحديقة بآثار مطاحن من القرن التاسع عشر، انمحى منها كل ما هو خشبي وبقيت الجدران الحجريّة فقط. هذه المطاحن هي إحدى زواياي المفضلة في المدينة.

ليست الفكرة في الإعجاب بالتحف أو الآثار، أو ببساطة ما هو قديم. الأمر غير متعلّق بنوستالجيا ماضويّة على الإطلاق، بل في آثار الماضي على الحاضر، آثار لم يعد لها معنى أو فائدة. كانت هنا، وبقيت هنا، لكن بدون مغزى. هي هنا لأن أحداً لم يهتم بألا تكون. لا أدري كذلك إن كان لذلك علاقة مع كوني شخص مدقع الفشل في التعامل مع نهايات الأشياء. هذه الـ”نقطة انتهى”، الضرورية للغاية من أجل تأسيس البدايات، ليست اختصاصي على الإطلاق، بل أن هذه النقاط هي كجمرٍ أتهرّب من الإمساك به. تنطبق هذه المعضلة حتى على المسلسلات والروايات، ثمة كآبة سمجة تطلّ برأسها في الصفحات الأخيرة، أو بعد انتصاف الموسم الأخير من المسلسل. حين أشاهد مسلسلاً للمرة الثانية، أو أعيد قراءة رواية أحبّها، ليس من الغريب أن أترك النهاية دون مشاهدة أو قراءة. أعرف ما حدث لأنني قرأته أو شاهدته في المرّة الأولى (رغماً عني)، لكن النهايات المفتوحة، التي ليست نهايات، مريحة أكثر، أو هكذا أقنع نفسي.

هنا، من البديهي القول أنني أعاني أيضاً كآبة مساء الأحد الشهيرة. ليس من المعتاد أن تكون عطل نهاية الأسبوع مميزة جداً عندي، بل ليس من المعتاد أن تكون “عُطلاً” أصلاً. لكن مع ذلك، نهايتها كشبك العنكبوت.

من هذا الباب، ربما، كانت (نهاية) علاقتي مع التدوين ملتبسة. بدأت أبتعد عنه في 2011، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أكثر ملاءمة لآنية الأخبار وسرعتها؛ وأيضاً لأنني بدأت أكتب في صحف ومواقع الكترونية، ثم في الجمهوريّة. لكن مع ذلك، بقيت مدونتي مفتوحة، أشعر بالذنب تجاهها بين الحين والآخر فأكتب لها تدوينات متباعدة، أو أضع فيها المحتوى المنشور سابقاً في مواقع أخرى فقط لكي أشعر أنني لم أزرها خالي اليدين. كانت مدونتي السابقة أرشيف نموّي وتطوري وخراقاتي خلال ما يقارب العقد. لا شيء فيها أتبرأ منه، لكن فيها الكثير مما يستحيل أن أقرأه اليوم دون أن أشعر بالكثير من الخجل من سطحيته أو قلة إحاطته.

لكن هناك ما أحنّ إليه من زمن التدوين: الجرأة. لم أكن أخاف الخطأ أو “التخبيص”. العمر؛ قلة الاكتراث للمسؤولية تجاه المنبر؛ الإحساس بأن “جمهورك” أصغر من جمهور المنابر الأعم، وأقل انفعالاً (وتحطيماً) من “أصدقاء” وسائل التواصل الاجتماعي؛ فداحة ما يحيط بك، ويجعلك تقنع نفسك أن أقل ما يمكن أن تفعله لضحاياه هو ألا تكون “تافهاً”.

ولأن مدونتي السابقة هي “تاريخ” بالنسبة لي، فقد كان وجودها ثقيلاً بعض الشيء، لذلك أغلقتها صيف العام الماضي. لم يُحذف محتواها، لكنه لم يعد عامّاً. كنت كذلك أقنع نفسي بضرورة وضع نقطة نهاية لمرحلة التدوين، تكريماً لها كمرحلة تأسيسية من حياتي، وأيضاً كمساعدة لإعادة تعريف نفسي خارجها.

مجموع هذه الأمور عبارة عن قيود، عن عدد هائل من المسودّات غير المكتملة، التي لا تحظى باهتمام (وجرأة أحياناً) لإكمالها؛ ولا تحصل على موت كريم في سلة مهملات الكمبيوتر. فقط تبقى عالقة على سطح المكتب، أو داخل ملف اسمه “مسودات”.

التعامل مع النهايات، مجدداً..

هذه المدونة فُتحت والتدوين يشبه تلك المطاحن على ضفة نهر ساريلا. يُعلن ويُعاد إعلان موت التدوين منذ 2009، أي منذ تضاعف انتشار فيسبوك وتويتر. لكن المدونات موجودة، وإن خامدة. بين الحين والآخر يظهر نص هنا، مدونة جديدة هناك، مدوّن ما يشعر بالذنب تجاه مدونته.. الخ

لا يجيد التدوين التعاطي مع النهايات، نشبه بعضنا.

القصد من هذه المدوّنة هو أن تكون، إلى حدّ ما، كشاطئ الاصطياف في الخريف، ما يوفّر بعض الإحساس بالأمان من مسؤولية المنبر الكبير، أو آنية الصراع الفيسبوكي المنغلق. ابتعاد دون عزلة. هذا هو القصد المفترض، لكن لا شك أن هناك قدراً كبيراً من العجز عن التعامل مع أن هناك نقطة نهاية لمسيرتي كمدوّن.

هذا لا يعني أن هذه المدونة ستستمر وينتظم نشرها، أو ستتوقف وتُغلق تماماً. لا أدري في الحقيقة. هي مجرد مكان دون إحساس بالكثير من المسؤولية تجاهه. مكان لا “ينق” عليك مطالباً بنهايته..